أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
111
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
كل حال ، إلّا في هذه الحال » . وممن ذهب إلى انقطاعه ابن عطية ، والحوفي ، وأبو البقاء في أحد الوجهين . فقال الحوفي : تقديره : لكن مشيئة اللّه إيّاي بضّرّ أخاف . وقال ابن عطية : « استثناء ليس من الأول ، ولما كانت قوة الكلام أنه لا يخاف ضرّا ، استثنى مشيئة ربه في أن يريده بضّرّ . قوله : « شَيْئاً » يجوز فيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب على المصدر ، تقديره : إلا أن يشاء ربّي شيئا من المشيئة . والثاني : أنه مفعول به ل « يَشاءَ » . وإنما كان الأول أظهر لوجهين : أحدهما : أن الكلام المؤكّد قوى وأثبت في النفس من غير المؤكّد . والثاني - أنه قد تقدم - : أن مفعول المشيئة والإرادة لا يذكران إلا إذا كان فيهما غرابة كقوله : 1985 - ولو شئت أن أبكي دما لبليته * . . . « 1 » قوله : عِلْماً فيه وجهان ، أظهرهما : أنه منصوب على التمييز ، وهو محول عن الفاعل ، تقديره : وسع علم رّي كلّ شيء ، كقوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 2 » ، أي : شيب الرأس . والثاني : أنه منصوب على المفعول المطلق ، لأن معنى « وَسِعَ » : علم . قال أبو البقاء : « لأن ما يسع الشيء فقد أحاط به ، والعالم بالشيء محيط بعلمه » . وهذا الذي ادعاه من المجاز بعيد . و « كُلَّ شَيْءٍ » مفعول ل « وَسِعَ » على كلا التقديرين . و أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ جملة تقرير وتوبيخ ، ولا محل لها لاستئنافها . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 81 إلى 83 ] وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 82 ) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 83 ) قوله : وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ . قد تقدم الكلام على « كَيْفَ » في أول البقرة « 3 » ، وهذه نظيرتها . و « ما » يجوز فيها ثلاثة أوجه - أعني كونها : موصولة اسمية ، أو نكرة موصوفة ، أو مصدرية ، والعائد على الأولين محذوف ، أي : ما أشركتموه باللّه ، أو إشراككم باللّه غيره . وقوله : وَلا تَخافُونَ يجوز في هذه الجملة أن تكون نسقا على « أَخافُ » ، فتكون داخلة في حيّز التعجب والإنكار ، وأن تكون حالية ، أي : وكيف أخاف الذي تشركون حال كونكم أنتم غير خائفين عاقبة إشراككم . ولا بدّ من إضمار مبتدأ قبل المضارع المنفي ب « لا » لما تقدم غير مرّة « 4 » . أي : كيف أخاف الذي تشركون ، أو عاقبة إشراككم حال كونكم آمنين من مكر اللّه الذي أشركتم به غيره . وهذه الجملة وإن لم يكن فيها رابط يعود على ذي
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة مريم ، آية ( 4 ) . ( 3 ) انظر آية ( 28 ) من سورة البقرة . ( 4 ) انظر آية ( 247 ) و ( 259 ) من سورة البقرة .